إعلام الواجهة

الماسونية والفوضويون الجدد: ماذا تريد أمريكا من الصين؟

أخذ التوتر في العلاقات الأمريكية الصينية يتصاعد مع كل يوم جديد يقرّب من زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي المفترضة إلى تايوان.

ورغم أن العديد من صناع السياسات في واشنطن يميلون إلى تبني نهج صمويل هنتنغتن في “احتواء التنين الصيني”، إلا أن إعلان هذه الزيارة، في ظل هذا السياق الدولي المضطرب جراء الحرب الروسية الأوكرانية، طرح عدة استفهامات للمراقبين عما تريده أمريكا فعلا من الصين، وعن هذا التصعيد المتتالي من العم سام.

فما خلفيات هذا الاستفزاز الأمريكي لبكين في ملف تايوان تحديدا؟ وهل سيتدحرج الوضع إلى مواجهة عسكرية أمريكية صينية مباشرة؟

هشام موفق

ماذا يحدث في واشنطن؟
في البداية، يجب العودة إلى ما يحدث في أهم عاصمة في العالم واشنطن، وإلى من بات بأيديهم اتخاذ القرار فيها:

فقد لاحظنا مؤخرا ذلك التقارب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في بعض الملفات، بعد ما يبدو أنه صار قناعة عندهم أن مواصلة التراشق على نفس وتيرة إفرازات الانتخابات الرئاسية الأخيرة سوف لن يعطي أيا منهما أفضلية على الآخر.

فكلنا تابع تلك الملاسنات والاتهامات والاتهامات المتبادلة بين الحزبين المصاحبة للرئاسيات التي انهزم فيها دونلد ترامب أمام جو بايدن، في وسائل الإعلام المختلفة، وفي وسائط التواصل، بل وعلى الأرض.

واستمر ذاك المستوى إلى “احتلال” أنصار ترامب للبيت الأبيض، ما جعل صورة أمريكا الديمقراطية في العالم تهتز.

لكن.. وبعد انحسار تأثير جائحة كورونا، بِتنا نشعر بذاك الاتفاق غير المعلن بين الحزبين في مستوياتهما العليا، إلى ما يشبه لقاء على نقطة واحدة، وتشكل ما يشبه “النواة”.

هذه المستويات العليا تحديدا هم الأشخاص المؤثرون فعلا ممن لهم خلفية فلسفية واحدة: “هذا الكون نتج من فوضى، والفوضى هي التي ستتيح للأمور بالعودة إلى نصابها، وليس التسويات والتوافقات”.

البنّاءون الأحرار، في ورطة؟

تبدو فكرة الفوضى العالمية هذه مرعبة لكل المتابعين، بمن فيهم جماعة البناؤون الأحرار “الماسون”، الذين لهم باع في “تخييط” أحداث العالم بدقة متناهية، وعدم ترك المجال لأي طارئ غير محسوب.

ويتجلى هذا الرعب، في “عقلهم المفكر” رئيس الدبلوماسية الأمريكية سابقا هنري كيسنجر، الذي -ورغم مشارفته للقرن من عمره- إلا أنه لازال يكافح من أجل التأثير على الرئيس بايدن كي لا ينجرّ وراء أصحاب نظرية الفوضى هؤلاء، ويكرر نصحه له من مختلف المنصات الدولية بعدم الصدام مع الصين، وضرورة الجلوس على طاولة واحدة واقتسام أعباء تسيير العالم معها.

تركيز كيسنجر على الرئيس بايدن ناجم عن أن الأخير هو الذي يملك -في الأنموذج الأمريكي في الحكم- قرارَ السلم والحرب.

وإذا ما وضعنا هذا القلق ضمن سياق ما يشاع من مرض بايدن، وتقدمه في السن، ومراقبة تصرفاته في خرجاته، وتجربة نقله لصلاحياته لنائبته كاملا هاريس، ثم انتهاءً بإعلان إصابته بكورونا مرتين متتاليتين، فإن هذا القلق سيتضاعف بلا شك.

ذلك أن تغليب نظرية الفوضى وت “عمية العالم”، ليس مناقضا لأصول العلاقات الدولية المتشكلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فحسب، بل إنه الوقت المناسب الذي سيجعل الصين تغزو تايوان.

الجيش الأحمر يغرّد بكلمتين: استعدوا للحرب
نانسي بيلوسي، التي يبدو أنها مقتنعة تماما ب “إعماء العالم” وب “الفوضى المنتِجة”، تعلن عن زيارة مرتقبة لتايوان، الإقليم الذي له أهمية اقتصادية كبيرة للصناعة التكنولوجية بأمريكا.

هذا الإعلان جعل الجيش الصيني الأحمر يختصر تصريحه في كلمتين: استعدوا للحرب، قبل أن يتوالى مسؤولون صينيون في وزارتي الدفاع والخارجية بتوضيح الموقف الصيني: “لن نبقى مكتوفي الأيدي”، و “زيارة بيلوسي سيقابله عمل عسكري”، وغيرها من التصريحات والترتيبات العسكرية التي تنقلها يوميا وسائل الإعلام الصينية، والتي تحشد لحرب وشيكة هناك.

وضعٌ، جعل الأمريكان يرفعون من تأهب الأسطول السابع المرابض بمياه اليابان وكوريا الجنوبية، مع اتخاذ تدابير تعزيزية لحماية طائرة بيلوسي.

لكن، هل فعلا ستزور بيلوسي تايوان؟

هذا السؤال يتكرر كثيرا في تخمينات المراقبين. إذ بالنظر لبرنامجها المُعلن، فإنه يضم أيضا زيارة لكوريا الجنوبية ولليابان وماليزيا مع زيارة تايوان.

ومعلوم أن برمجة هكذا ترتيبات في هذا المستوى، هو وضع ل “خط رجعة” في حال ساءت الأمور، فتعود رئيسة مجلس النواب لتعتذر بسبب “ضغط في الأجندة” أو غيرها من التبريرات التي لطالما يبدع فيها الأمريكان.

وفي حال كان هكذا الأمر، فإن الغرض من إعلان زيارة تايوان في الأساس هو محاولة إذلال الصين وإهانتها، كي تعطي أمريكا انطباعا أنها لازالت سيدة العالم، وأن نفوذها به لم يتراجع.

أمريكا، ومتتالية الأفول

فعلا، فلا يمكن الاعتقاد أن أمريكا تنهار حاليا. إذ كل المؤشرات الاقتصادية والعسكرية والجيوبوليتيكية تقول هذا.

لكن لا يمكن نفي أنها في مرحلة “أفول” و “تراجع”.

ذلك أنه لم يكن قبل عقدين مثلا لدولة مهما كانت عظمى أو فوق إقليمية أن يزور رئيسُها (مثل روسيا) دولةً وهي تحت طائلة عقوبات صارمة (مثل إيران).

ولم يكن لدولة عضو بالناتو (مثل تركيا) أن تقاوم رفضا أمريكيا حازما بعدم القيام بعملية عسكرية شمال سوريا، وتركيا تصر ولازالت تحشد قواتها على الحدود، وتنتظر الظروف السياسية والمناخية المناسبة للقيام بعمليتها.

ولم يكن لدولة وظيفية (مثل السعودية) أنشئت أصلا بدعم أمريكي، أن ترفض طلبا أمريكيا برفع إنتاج البترول من أجل استقرار الأسعار في الأسواق العالمية وترفض.

ولم يكن لأربعة دول أوربية أن تتجاهل الضغوطات الأمريكية وتقرر الدفع بالعملة الروسية “الروبل” من أجل عدم قطع إمدادات الغاز الروسي عليها.

نظام عالمي جديد أم علاقات دولية جديدة؟
هذا الأفول الأمريكي المصاحب لمخرجات الحرب الروسية على أوكرانيا، ولبلوغ المشروع الصيني القومي مراحل متقدمة من تنفيذه، بالإضافة للانتقال العالمي للقوة من الأطلنطي إلى الهادئ، من شأنه أن يبلور صياغة علاقات جديدة بين الدول، وخرائط جديدة على المسرح الدولي، مع الحفاظ نسبيا على هيكلة النظام العالمي الحالي والمنبثق من الحرب العالمية الثانية.

لكن،

إن قررت نانسي بيلوسي، وأصدقاؤها الفوضويون الجدد، فعلا التمسك بزيارة تايوان، فإن المؤكد أن نظاما عالميا جديدا سيتشكل على أعقاب هذه الزيارة!

أترك تعليقا