إعلام الواجهة

سقط فأخبرنا بها ثم رحل.. ثمانية دروس من محنة ريان

ثمانية دروس من محنة ريان

الآن.. وقد عاد الطفل ريان رحمه الله إلى ربه، بعد خمسة أيام كاملة من الجوع والوحشة والظلمة والبرد في بئر شفشاون بالمغرب الأقصى، وبعد هذا الاهتمام والمتابعة الكبيرة للحادثة، نحتاج أن نستخلص أهم الدروس منها.
وهنا.. محاولة لرصد أهمها:

هشام موفق مداد

1. السلامة العقلية في مثل هذه الأحداث:
لا شك أن الضخ الإعلامي الذي صاحب الحادثة قد كانت غير مسبوقة في عالمنا العربي. وقد لاحظنا ذاك “التسمر” أمام شاشات التلفزيون والهواتف والتفاعل بوسائط التواصل الاجتماعي لمعرفة كل تحديث.
خلالها، كانت مختلف الصفحات والمواقع “تتلاعب” بعقول متابعيها لدرجة القرف، بوضع عنوان جاذبة من قبيل “اللحظات الأخير لإخراج ريان”، “الساعات الأخيرة لإنقاذ ريان”، “المرحلة الأخير لإنقاذ ريان”، وغيرها من عناوين لا تمت بصلة للواقع، ما ولّد عند الكثيرين إرهاقا نفسيا وتعبا عصبيا.
خلال نفس هذا الأسبوع، كان قد سبقت حوادث أخرى مدمية ومحزنة: أطفال سوريون يعانون موجة البرد والثلج وهم دون مأوى، ثم موت 17 شخصا طردتهم اليونان إلى تركيا وقد جردتهم من أحذيتهم ومعاطفهم فماتوا بالبرد، ثم موت ثمانية أشخاص حرقا منهم أطفال جراء انفجار ورشة لصناعة العطور بعين ولمان سطيف الجزائر، ثم خُتم الأسبوع بالحادثة المؤسفة لريان.
أي قلب يمكنه تحمّل كل هذه المآسي في وقت قصير؟
إن الأولى في مثل هذه الأحداث أن ينتبه المتابع لسلامته الذهنية، وأن يتعلم كيف يسيّر عملية تلقيه للأخبار حفاظا على صحته، وعلى واجباته في عمله وعائلته ومجتمعه.
شخصيا، كنت حذفت تطبيق فيسبوك من الهاتف، وخصصت وقتا أقل بين الكمبيوتر والتلفزيون لتحديث المعلومات حول القضية.

2. الإعلام بين “ما يجب” و “ما يرغب به الجمهور”
هذه الإشكالية ترسخت أكثر خلال هذه الحادثة، حيث أخذ حيّز تغطيتها بعدا كبيرا جدا. ولاحظنا كيف انخرطت كُبريات القنوات العربية لمتابعة الحدث وتخصيص ساعات طويلة في البث المباشر دون توقف.
إنه يمكننا أن نتفهم من نشطاء الكترونيين فتح “اللايف” من مكان الحادث، ونقل الحدث إما تضامنا وإما رفعا لنِسب المشاهدة عنده، كنا يمكن تفهم هذا عند المواقع الالكترونية المحلية، لكن أن نجد الجزيرة والعربية والعربي وسكاي وغيرها “يغتصبون” مشاهديهم، فإنه انحراف خطير للمسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام، التي يجدر ويتحتم عليها أن ترفع من مستوى متابعيها للقيم المشتركة، وتكون “الفيلتر” الآمن لما يجب عليها تقديمه للمشاهد المتنوع بين المثقف والبسيط والواعي وخلافه، وليس ركوب موجة النشطاء لرفع نسب المشاهدة.
إن هذا التعاطف الكبير من لدن الجماهير الذي عاشه ريان، كان يجب أن تحسن وسائلُ الإعلام تسييره، خاصة وأنها وسائل مرتاحة ماديا ولا تحتاج لتقارير شركات سبر الآراء لإقناع المعلنين، ولا لمداخيل إعلانات يوتيوب وفيسبوك لتمويل نشاطها!

3. أخلاقيات التعامل مع الأطفال
في عالمنا العربي، بات واضحا للأسف أنه قد تمكن منا هوس نشر كل شيء دون أدنى تثبت وتحرّ.
لقد شاهدنا ذلك التقاسم الكبير لصورة الطفل ريان وهو داخل البئر متعبا مرهقا، دون أدنى احترام له كطفل قاصر، أو أدنى مراعاة لمشاعر والديه وعائلته، في تهافت مقزز على نشرها على أوسع نطاق.
ليس هذا وحسب، بل إن صورا لطفل آخر راقد بالمشفى وعليه أجهزة طبية قد تم تداولها من طرف صحف وقنوات على أنها للطفل ريان، قبل أن يتحروا عن الصورة وصاحبها!
إن هذا السلوك يجب أن يختفي تماما، من الصحفي أولا الذي من المفترض أنه يحتكم لأدوات صارمة قبل النشر، فضلا عن أي فرد يشارك صورا وأخبارا لم يتأكد منها حتى.
هذه الظاهرة، تعيدنا للكوارث التي يتسبب فيها الكبار في حق البراءة: فكم تلميذا نشرت أستاذته أو مديرته صورا له في صفحة المؤسسة دون إذن والديه؟ وكم مدربا في قاعة الرياضة نشر صورا الأطفال المتدربين عنده دون إذن وتصريح؟
إننا نحتاج اليوم قبل الغد لأن ننتبه بنشر الوعي بخصوص هذه النقطة، ثم تشريع قوانين رادعة، بعد التوعية، تخص من ينتهك الطفولة وبراءتها.
الأمر ليس جديدا.. فإن دولا أوربية قريبة منا لها تشريعات غاية في الروعة يمكننا الاستفادة منها.

4. تأثير الأطفال على ضمير الإنسانية
أكدت حادثة ريان والتعاطف الكبير الذي عرفه الطفل ليس من الشعوب العربية والإسلامية فقط، بل من كل العالم، أن القلوب تتحرك وتتعاطف أكثر لما يتعلق الأمر بالأطفال.
لقد شاهدنا هذا التفاعل في حادث الطفل الغريق كيلان، والطفل عمران المستخرج من ردم حلب، والطفل الدرة المغتال في فلسطين والطفلة كيم المشتعلة في فيتنام، وغيرها.
إن هذا التعاطف والتفاعل يدلل على بقاء الفطرة الإنسانية، في مجملها، سليمة تجاه الطفل. وهو ما يدفعنا للتأكيد على الحرص في أداء الواجب كاملا تجاههم:
وهذا الواجب، ليس فقط توفير الأكل واللباس والتعليم المدرسي، بل إنه ينسحب على الاهتمام بنوع الألعاب التي يلعبونها، وتعليمهم مهارات الحياة التي لا يتعلمونها بالمدرسة، وحراستهم ما أمكن في البيوت وعند خروجهم، وهكذا.

5. تفاعل ملفت للجزائريين مع ريان
انتبه العديد من الملاحظين من خارج الدائرة المغاربية إلى ذلك التفاعل الكبير من الجزائريين تجاه قضية الطفل ريان. وحيث أن هذه الملاحظة الممزوجة ببعض الاستغراب تخفي من جهة جهلا بطبيعة العلاقة بين الجزائريين والمغاربة، فإنه من جهة أخرى قد يكون لها مبرر بحكم ارتفاع حدة الصراع بين النظامين مؤخرا.
يجهل هؤلاء في الوطن العربي والإسلامي أن الجزائري كان سباقا في التفاعل مباشرة مع القضية لأن وجدانه وعواطفه هي التي قادته، فهو يرى في من يقف أمام البئر له نفس اللباس التقليدي ونفس الكلام الجميل، ولكن أيضا نفس المآسي والبساطة..
كل هذا محمّلٌ بوحدة في الدين وامتزاج دم ومصاهرات، وارتباط في المصير، وتراكم تاريخي كبير.
وعلى ذكر التاريخ، فإنه من المفيد التذكير أن مدينة شفشاون التي تعرف بالمدينة الزرقاء نظرا لطلاء شوارعها ومنازلها باللون الأزرق، هي مدينة مغربية تقع باقليم الشمال وعلى مقربة من الثغور التي تعرضت للغزو الإسباني والبرتغالي، وقد عرفت مدينة شفشاون استقرار الآلاف من الأندلسيين الفارين، تماما مثلما اختار أهاليهم الآخرين النفوذ إلى مختلف المدن والحواضر الجزائرية.
كما عرفت مدينة شفشاون زيارة بعض من علماء الجزائر أمثال العلامة أبو الحسن علي بن هارون المطغري (ت 951هـ)، وتعود أصوله لمطغرة بتلمسان الذي هاجر جده حسب أحمد المنجور في كتابه “الفهرس” لمدينة سبتة للدفاع عنها ضد النصارى سنة 818هـ، وقد استقر بمدينة فاس، وهناك ولد حفيده العلامة علي بن هارون الذي أصبح علامة المغرب الأول بلا منازع ومفتي فاس، وقد حضر وفاته السلطان أحمد الوطاسي.
وقد زار العلامة علي بن هارون التلمساني مدينة شفشاون ودرس بها وهناك التقاه العلامة محمد بن عسكر الشفشاوني صاحب كتاب دوحة الناشر والذي يذكر بأنه أخذ واستفاد منه كثيرا.
كما أخذ محمد بن عسكر الشفشاوني ابن مدينة شفشاون عن علماء جزائريين أمثال: محمد شقرون بن هبة الله، ومحمد بن عبد الرحمن بن جلال التلمساني، وأحمد بن محمد العقباني التلمساني، وأحمد بن أحمد العبادي التلمساني.

6.الحادثة بين “إدارة الأزمة” و “عادة الكذب”
أثارت حادثة ريان نقاشا ولو محدودا بين عدد من المتابعين المثقفين والإعلاميين من زاوية اختيار السلطات المغربية التكتم على وفاة الطفل بيوم أو يومين قبل استخراجه من البئر، وتسويق فرح وهمي للجماهير عبر التحكم في وسائل الإعلام الموجودة في عين المكان، وإصدار أوامر صارمة لبعض الصحفيين ومدراء مواقع بالتكتم على الوفاة لحين نقل جثته من المدينة.
البعض يرى أن هذا هو السلوك الأفضل بالنظر لحالة الاحتقان التي عاشتها المنطقة، والإعياء الذي نال من ساكنيها، والتوتر الذي بات يخيم على الجميع، فيعتقد هؤلاء أن تسويف الإعلان عن وفاته لحين إبعاده هو أفضل قرار لتفادي هيجانا شعبيا هناك يصعب التحكم فيه.
لكن هناك من يرى أن سلوك النظام هناك إنما هو وفاء للكذب الذي احترفه على الشعب وعلى الجميع، فكيف يُعقل أن تتلاعب بمئات الملايين بالوطن العربي والإسلامي وتسدي توجيهات لمتحدثين من الدفاع المدني ولصحفيين بالترويج لقرب انتهاء الكابوس بفرح، في وقت كانت فيه دائرة مقربة أن الطفل قد توفي من يوم أو يومين.
لقد قرأت تغريدات لصحفيين مغاربة أقروا بعلمهم بوفاته، لكنهم فضلوا الصمت والتكتم حتى لا يشوشوا على جهود استخراج جثة المرحوم.
أعتقد أن أهم درس من هذه الزاوية هو: لا تثق فيما تخبرك به الأنظمة الفاشلة، فأغلب ما يصدر منها هو محض كذب، وليس مستبعدا أن يكون الاستثمار في الحادثة له خلفية سياسية أصلا!

7. سباق نحو التسلح وعجز عن التسيير
طيف الشاب عياش الذي توفي قبل ريان بسنوات في بئر منسية بولاية مسيلة بالجزائر كان حاضرا في تفكير الجزائريين خلال الأيام الخمسة الماضية. فالمأساة التي عاشتها المنطقة والجزائر عموما أعادت للأذهان ذلك الفشل والتقصير في تسيير الحادثة حينها.
هل يتذكر حكام النظامين وبقية الأنظمة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو أن شاة هلكت بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنها”، فكيف بروح؟!
ورغم القناعة أن الفشل واحد هنا وهناك، إلا أن “الكذب” الذي مارسه النظام هناك كان أكثر إقناعا وأكبر باعث للأمل، رغم أن الظروف والميدان والوقائع أن نجاته بعد اليوم الثالث كانت من سابع المستحيلات، وإن حدثت فهي كرامة ربانية خارقة لكل قوانين الكون.
لكن السؤال الذي يقفز للعاقل هنا هو: لماذا يصرف النظامان عشرات الملايير في سباقهما نحو التسلح المحموم، مع ارتماء في حضن عدو هناك، و “تاغنانت” في إدارة الملفات هنا، والحال أنهما عاجزان عن إنقاذ شخص سقط في بئر؟
إن النظاميْن الذين اختارا معسكرين عالميين مختلفين قد نسيا روابط الأخوة التي تجمع شعبيهما، والمصير المستقبلي المحتوم المشترك، وقبِلا أن يكونا وسيلتيْ تحريش صهيونية وغربية، الفائز فيها مهزوم.
على كل.. مهما تعطل المغرب العربي على مستوى الحكومات، فإن مغرب الشعوب لم يتأثر، وإن عبثت يد الشيطان فيهم تدخلت يد الله لتعيد جمعهم.

8. سقط ليخبركم بأنكم أمة واحد.. ثم رحل
هذا أهم درس، يمكن أن نستفيده في حادثة الطفل ريان، بعيدا عن اللغو والتذمر وكثرة القيل والقال.. هو اختاره الله كي يلفت أنظار العالم جميعا، وأنظار المسلمين خصوصا، فيجعلهم يبتهلون بالدعاء ويتضرعون، وينسون شحناء الأنظمة والكرة وملحقاتها، ويجتمعون على قلب رجل واحد فيشعرون نفس الألم، ويأملون نفس الأمل، ويدعون نفس الدعاء، ويتوجهون لرب واحد..
ريان.. سقط في بئر منسية، بمنطقة نائية، في أقصى بلاد العرب والمسلمين، ليجذب إليه كل القلوب، ويخبرنا أننا أمة واحد.. ثم رحل..

أترك تعليقا