الواجهة كتب

سلسلة LIVEBOOK الجديدة بجريدة الحوار | الحلقة 1: الأنماط التمثيلية

أ.هشام موفق مداد

أخذت حكيمة مقعدها بالميترو وقد عدّلت خصلات من شعرها خلف أذنها، قبل أن تلمح منال التي كانت جالسة بالمقعد الملاصق لها.
أطلقت حكيمة تنهيدة طويلة تعبر عن تعب نهاية اليوم، لكنّ حركاتها المتواصلة بين تعديل الحقيبة وتقليب الهاتف وتدوير خاتم الارتباط جعلت منال تبادرها: “يوم عصيب آخر صح؟”.
– “والله صح، عصيب وممل ومضجر كباقي الأيام”، أجابت حكيمة وقد التفتت لمُحدّثتها.
— “كباقي الأيام؟” تساءلت منال وقد رسمت ابتسامة خفيفة جعلت حكيمة تعقّب مبتسمة: “أقصد كأغلب باقي الأيام”.
— “مرحبا أنا منال، معالجة نفسانية بالمستشفى، وعندي قطتان”. تقديم جعل حكيمة تضحك وتتفاعل “وأنا حكيمة مديرة فرع البنك الذي أمام المستشفى، وعندي قطّ عامر حياتي بالبهجة، وحلوف –حاشاك- لا أعرف كيف قبلت به”.
بسرعة تأكدت منال من حدسها، فأردفت وهي حريصة على الحفاظ على جو من المرح والثقة مع جليستها: “آهاه آهاه، زوجُك على الأقل مثـّليه بحيوان عنده سمعة طيبة عند الناس”.
– “طيب، سأختار الحمار إذن”، قبل أن تنفجر الشابّتان بالضحك، لكن منال اهتبلت فرصة فتح الدردشة مع حكيمة، فسألتها:
— “بصراحة، لماذا قلتِ هذا على زوجك؟”
– “والله يا أختي أنا لا أعرفك، لكن دعيني أفضفض لك مادمت غريبة لعلني ارتاح قليلا”.
— “أنا معك”، تفاعلت المعالجة النفسانية وقد عدلت من جلستها لتقابل مُحدّثتها وهي تتكلم.
– “أنا فعلا أعاني مع هذا الرجل.. صحيح هو طيب وحنون.. لكن له سلوكات تزعجني وتحوّلني إلى متوحشة”، قالت حكيمة ذلك وقد بدأ صوتها يرتفع قليلا.
— “هاهاها، أنت الآن بدأتِ تتحولين”، نبهتها منال بذكاء، قبل أن تضيف “ما هي هذه السلوكات التي تزعجك؟”.
– “والله كثيرة، لكن سأعطيك أمثلة وأنت أكيد ستفهمينني بحكم تخصصك: مثلا حين نتناقش لا ينظر إليّ إلا بعد طلبي منه ذلك، كما أنه لا يكاد يُسمعني ما يتلفظ به إلا وقد كررت عليه أن ارفع صوتك، بالإضافة إلى جلسته أو وقفته التي ينحني إلى الأرض تفقدني صوابني تجعلني أصرخ أن عدّل ظهرك وارفع رأسك، وغيرها”، باحت بذلك حكيمة وقد أدارت وجهها جهة النافذة واضعة أصابعها على جبهتها.
ابتسمت منال وساد لبرهة صمت بينهما، مابرح خرقه صوت انفتاح أبواب الميترو ودخول زبائن جدد.. أمالت منال رقبتها قليلا تجاه جليستها، وقالت “أكيد هو لا يأخذ قرارات إلا بعد فترة طويلة، وهو هادئ أغلب وقته، ويتحدث معك بهمس، ويريد أن يكون بقربك دائما ويلامسك، كما أن نبرة صوته منخفضة، ويتعاطف كثيرا مع عائلته وأصدقائه”.
التفتت حكيمة لها وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة والانبهار معا بابتسامة خفيفة، قبل أن تقول: “كدت أن أقول إنك على علاقة بزوجي؟”.
ضحكت منال وتابعت “دعني اثبت لك أني على علاقة بك أنت أيضا: فأنت تتكلمين بسرعة، وتتنفسين من أعلى صدرك، وتتخذين قرارات بسرعة، وصوتك مرتفع أغلب الوقت، وتقفين وتجلسين بأكتاف مرتفعة وبميلان إلى الخلف، كما أنك تستقبلين المعلومات على شكل صور، وحين تشرحين فكرة أو تتفالين في حديث ما ترتفع يداك إلى مستوى أعلى من كتفيك، وتستخدمين كلمات من قبيل “أرى، أنظر، أشاهد، وغيرها”.
بقيت حكيمة تتابع بصمت مطبق، قبل أن تفتح يديها بحركة استفسار عما يحدث الآن، لكن منال تابعت “أنت يا سيدتي لك نمط تمثيلي بصري، أما زوجك فله نمط تمثيلي حسّي، وعدم معرفتك هذا جعلك تتعبين وتنزعجين، وهو كذلك منزعج منك كثيرا، لكن الفرق فقط بينكما أنك تعبرين عنه، وهو كاتم ذلك في صدره”.
– “نمط تمثيلي؟ ما معنى هذا من فضلك؟” سألت حكيمة
— “النمط التمثيلي نقصد به آليتك أو طريقتك في استقبال المعلومات وتخزينها ومعالجتها في دماغك والتفاعل معها، وذلك عبر حواسنا الخمس.. أو بطريقة أخرى أسهل هو طريقة تمثيلنا لواقعنا في أذهاننا.. وهي على ثلاثة أنواع: بصري، سمعي وحسي”، أجابت منال.
– “يعني أنا بصرية وزوجي حسّي، لذلك يوجد مشكلات بيننا؟”
— “أولا نقول إنه يغلب عليك النمط التمثيلي البصري، وزوجك يغلب عليه النمط الحسي.. وعدم إدراككما لواقع كل منكما وعدم مراعاة هذه الفروقات ينجر عنها هذه الخلافات كأن يعتبر هو صوتك المرتفع عدم احترام له لأنه يغلب عليه الهدوء، فربط قيمة الاحترام بهدوئه، كما أنك قد تعتبرين عدم نظره إليك وأنت تتحدثين على أنه قلة احترام منه، ببساطة لأنك تعتمدين على النظر أكثر في التواصل، وقيسي على ذلك في عملك أيضا”.
– “حوجي انا”، تفاعلت حكيمة، قبل أن تسأل: “وسمعي هذا ما قصته؟”
— “الشخص السمعي يعتمد أساسا على الأذن في استقبال المعلومات، وهو على نوعين: سمعي نغمي، وسمعي تحليلي.. ودون إغراقك في التفاصيل، فيمكن أن أختصره لك بأنه يتأثر بالأصوات أكثر من شيء آخر، كما أن تنفسه من وسط البطن، ويداه عادة لا ترتفعان أكثر من مستوى البطن، ويميل للصمت أكثر وللتحليل أكثر، لذلك نجد عند هؤلاء الحكمة أكثر”.
– “هل افهم من كلامك أن النمط التمثيلي السمعي هو الأفضل؟”
— “لم أقل هذا.. كل الأنماط جيدة، حين نفهم ذواتنا أولا ونفهم من هم حولنا ثانيا.. فالبصري مثلا له قدرة على سرعة اتخاذ القرارات، والسمعي له قدرة على تحليل المعلومات، والحسي له قدرة على إبراز الجانب الإنساني والمشاعر في العلاقات.. لذلك فالأفضل هو أن تعرفي إيجابيتك فتعززينها، وتكتشفين سلبيات نمطك فتصححينها.. وهكذا تدريجيا ومع كل إصلاح لنقائصك أنت تتحسنين وتتعلمبن يوميا، فتجدين نفسك تحسنين التواصل مع البصري والسمعي والحسي”
– “كيف هذا؟ يعني أحتاج أن أخرج من قالبي إلى قالب شخص آخر فقط كي يفهمني؟ أليس هذا تكلّف منا؟” تساءلت حكيمة
— “هل تعرفين سلوك النبي صلى الله عليه وسلم حين ناداه الأعرابي وهو على سفر، وماذا فعل مع الشاب الذي وضع شرطا كي يبايعه؟” سألت منال.

يتبع

لايفبوك على الحوار: الأنماط التمثيلية

1 تعليق

Rachid أبريل 2, 2022 at 11:59 ص

درس مفيد في التعامل البشري باسلوب ادبي. بادرة حميدة وشيقة

الرد

أترك تعليقا